الغزالي
290
إحياء علوم الدين
الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة ، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة ، والهيبة خوف مصدرها الاجلال وأما الرجاء : فلا شك أنه زائد ، فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ولكن لا يرجو مثوبته ، والعبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب الله عز وجل ، كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله عز وجل وأما الحياء : فهو زائد على الجملة ، لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب ، ويتصوّر التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب وأما أسباب هذه المعاني الستة فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة ، فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك ، ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى ، فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه ، والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا ، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة ، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها ، وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى ، وأن الصلاة وسيلة إليها ، فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة ، وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على مضرتك ومنفعتك ، فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر فلا تظننّ أن له سببا سوى ضعف الإيمان . فاجتهد الآن في تقوية الإيمان ، وطريقه يستقصى في غير هذا الموضع وأما التفهم : فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى . وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها ، أعنى النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها ، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر ، فمن أحب شيئا أكثر ذكره ، فذكر المحبوب يهجم على القلب بالضرورة ، فلذلك ترى أن من أحب غير الله لا تصفو له صلاة عن الخواطر